القرطبي

240

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والعقاب ، بخلاف ما قالت اليهود : إن يده مقبوضة عن عذابهم . وفى صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى قال لي أنفق أنفق عليك ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يمين الله ملاى لا يغيضها سحاء الليل والنهار ( 1 ) أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه - قال - وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض ( 2 ) يرفع ويخفض ) . السح الصب الكثير . وبغيض ينقص ، ونظير هذا الحديث قوله جل ذكره : " والله يقبض ويبسط " ( 3 ) [ البقرة : ] . وأما هذه الآية ففي قراءة ابن مسعود " بل يداه بسطان " ( 4 ) [ المائدة : ] حكاه الأخفش ، وقال يقال : يد بسطة ، أي منطلقة منبسطة . ( ينفق كيف يشاء ) أي يرزق كما يريد . ويجوز أن تكون اليد في هذه الآية بمعنى القدرة ، أي قدرته شاملة ، فإن شاء وسع وإن شاء قتر . ( وليزيدن كثيرا منهم ) لام قسم . ( ما أنزل إليك من ربك ) أي بالذي أنزل إليك . ( طغيانا وكفرا ) أي إذا نزل شئ من القرآن فكفروا ازداد كفرهم . ( وألقينا بينهم ) قال مجاهد : أي بين اليهود والنصارى ، لأنه قال قبل هذا " لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء " [ المائدة : 51 ] . وقيل : أي ألقينا بين طوائف اليهود ، كما قال : " تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى " ( 5 ) [ الحشر : 14 ] فهم متباغضون متفقين ، فهم أبغض خلق الله إلى الناس . ( كلما أوقدوا نار للحرب ) يريد اليهود . و " كلما " ظرف أي كلما جمعوا وأعدوا شتت الله جمعهم . وقيل : إن اليهود لما أفسدوا وخالفوا كتاب الله - التوراة - أرسل الله عليهم بختنصر ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم بطرس الرومي ، ثم أفسدوا فأرسل عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فبعث الله عليهم المسلمين ، فكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله فكلما أوقدوا نارا أي أهاجوا شرا ، وأجمعوا أمرهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم " أطفأها الله " وقهرهم ووهن أمرهم فذكر النار مستعار . قال قتادة : أذلهم الله عز وجل ، فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم وهم تحت أيدي

--> ( 1 ) " الليل والنهار " قال النووي : هو بنصب الليل والنهار ورفعهما ، النصب على الظرف ، والرفع على الفاعل . قال في هامش مسلم : لكن على تقدير النصب ماذا يكون الفاعل في ( لا يغيضها ) لم يذكره ، ولو كانت الرواية ( لا يغيضها سح الليل والنهار ) بالإضافة لبان الفاعل كما في رواية زهير بن حرب " لا يغيضها شئ " . ( 2 ) الفيض : ضبطوه ( بالفاء والياء ) ومعناه الاحسان ، و ( بالقاف والباء ) ومعناه الموت . ( 3 ) راجع ج 3 ص 237 . ( 4 ) كذا في البحر وفي الشواذ لابن خالويه : بسطتان . بضم السين . ( 5 ) راجع ج 18 ص 35 .